فخر الدين الرازي
163
تفسير الرازي
ولا يرد استغفارهم . قوله تعالى * ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : في سبب نزول هذه الآية قولان : أحدهما : وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي : ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق ، فهذه الآية متصلة بما قبلها ، وهذا القول هو المختار عندي . والثاني : انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى ، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل ، فقال صلى الله عليه وسلم للزبير : " اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك " فقال الأنصاري : لأجل أنه ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير : " اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر " . واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة ، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم من المسامحة لأجله أمره النبي عليه الصلاة والسلام باستيفاء حقه على سبيل التمام ، وحمل خصمه على مر الحق . المسألة الثانية : " لا " في قوله : " فلا وربك " فيه قولان : الأول : معناه فوربك ، كقوله : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) * و " لا " مزيدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في * ( لئلا يعلم ) * لتأكيد وجوب العلم و * ( لا يؤمنون ) * جواب القسم . والثاني : انها مفيدة ، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين : الأول : انه يفيد نفي أمر سبق ، والتقدير : ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم بقوله : * ( فوربك لا يؤمنون حتى يحكموك ) * والثاني : أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد ، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن . المسألة الثالثة : يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط ، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة ، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار ، لتداخل